قال بورخهارت: " إن التجارة في السودان هم الحدارب سكان سواكن.
وهم بالأصل من حضرموت ودائما تلقى جماعة منهم في أي مدينة بالسودان. فتراهم
ببضائعهم في بربر وكسلا وشندي وسنار والأبيض والفاشر.وأثناء اقامتي بشندي شاهدت
قافلتين قامتا منها إلى سواكن التي وصلت منها قافلة كبيرة جدا .ولا يمضي شهر إلا
وترد فيه قوافل من سواكن وتصدر إليها بالمثل. وكذلك دأبهم في سوق سنار التي يسافرون
إليها إما عن طريق شندي أو جوز رجب".
لهؤلاء الأرتيقة معرفة تامة بجميع سكان السودان. وذلك مما يبرهن
على أنهم من أعرق الأمم التجارية بالسودان. ولولا ماتحلوا به من الصدق والأمانة لما
نالوا هذا الصيت الحسن الذي عززته فيهم الرحلات المتوالية في البلاد المترامية
الأطراف ولا يبالون بما ينتابهم في الدفاع عن صديقهم أو جارهم. أما شجاعتهم فحدث
عنها ولا حرج إذ لا يتساهلون في أي حق لهم إلا باللين واللطف أما بالعنف فإنهم
يقفون كالصخرة الصماء ولو أمام حاكم قاهر فمحال أن تلين قناتهم وسرعان مايتألبون
على من يمسهم بسوء أو يحاول امتهان كرامتهم فإنهم أباة الضيم وهؤلاء التجار يسافرون
ببضائعهم من سواكن حتى يصلوا سنار و دارفور ثم يعودون بالرقيق والذهب وريش النعام
والعاج والخيول العربية ويسافرون بها إلى إما إلى اليمن أو الحجاز أو السويس. ولكل
جهة بضائع خاصة تدر على أصحابها أرباطا طائلة.
وكالة الشناوي بك (بورصة سواكن)
بنى محمد بك الشناوي سراي كبيرة جدا سنة 1298هـ / 1881 م تقريبا
بالقيف عند نهاية الكوبري مؤلفة من ثلاثة أدوار وبها 356 غرفة (بعدد أيام السنة
الهجرية) بنظام هندسي جميل. فكان الدور الأعلى للنوم في الصيف والثاني للسكن
والثالث أو الأسفل لخزن بضائع التجار أما الساحة الفسيحة فهي للبيع والمزاد مثل
البورصة. وتسمى هذه السراي وكالة الشناوي بك أو بورصة سواكن ومساحتها لا تقل عن
مائة في مائة متر مربع تقريبا. وكان بها معروضات الذرة وسن الفيل والصمغ والسمسم
والقطن والسنامكي وكل محصولات السودان. وأما الواردات فهي من الهند وأوروبا ومصر.
وقد كانت شيئا كثيرا جدا خصوصا الدبلان والشاش (واردات مانشتسر). هذا بخلاف الأقمشة
الحريرية من أسواق الحجاز ويصدرونها إلى أسواق السودان.
توجد بسواكن وكالة أخرى أيضا لخزن البضائع تعلُّق الشيخ عبد
الله باحيدر. وهي أصغر من وكالة الشناوي بك. وتوجد مخازن أخرى للأهالي أيضا.
سواكن تعتبر مدينة للتجارة بين الغرب والشرق والشمال والجنوب.
وزاد في شهرتها التجارية موقعها الجميل. فتجاور الحبشة و أرتيريا والحجاز واليمن
ومصر وداخلية السودان فكانت كافة البضائع تجتمع فيها إما للتصدير إلى داخلية
السودان أو بالسفن إلى خارجه كمصر والحجاز واليمن والهند.
أما أهل سواكن فإنهم لم يجدو من يزاحمهم على الأخطار التجارية
في عصر مضطرب الأمن غير أهل بربر فكانوا لا يقلون عنهم همة وأمانة فكانت قوافلهم
تسير بين البلدين في الطريق الذي وصفه
إبراهيم الفراش. ولتجار بربر مكانة سامية عند
أمير اليمن إذ كانوا يوردونن له الخيول الجيدة.
يذكر بعض المؤرخين أنهم في القرن السابع عشر للميلاد كانوا
يشترون الخيول من كافة أنحاء السودان ويبحرون بها إلى ميناء موخة اليمنية ويصحبون
معهم سائر سائر حاصلات قطرهم مثل الريش والعاج والرقيق والذهب. أما الخيول فكان
يستلمها نائب إمام اليمن (الشريف حمود ملك اليمن) وتعرض سائر البضائع على التجار
المقيمين بموخا من كافة أنحاء العالم. وكان بها سفراء للدول الكبرى كأمريكا
وانجلترا وفرنسا. وأحيانا يتنقلون ببضائعهم إلى سوق الحديدة واللحية. ولكل مدينة
يوم خاص لعرض البضائع الأجنبية والوطنية فيقال (سوق الخميس بالحديدة و سوق الإثنين
بموخا) وأكثر التجار يسافرون إلى الحجاز للتجارة وأداء الفريضة.
ظهرت قطع الأسطول الإنجليزي الحربي والتجاري بكثرة في سواكن بعد
افتتاح قنال السويس سنة 1869م. وأما قبله فكانت البواخر الهندية تأتي ببضائعها إلى
سواكن وأول بواخر يرويها لنا التاريخ هي التي قامت من كلكتا بالهند سنة 824هـ
(1422 م) وكان بسواكن بعض التجار الهنود ويتقاضى منهم أمير المحافظ وأمير الأرتيقة
جزية باهظة. فلما أرهقوهم بكثرة الضرائب وعادوا إلى ديارهم بإحدى السفن سنة 1663 م
. ولم يستأنفوا التجارة إلا حوالي 1881م حيث حضر اثنان منهما إلى سواكن ونزلا ضيفين
عند الشناوي بك عميد تجار المدينة حيث كانت له اتصالات ومعاملات تجارية بالهند
والعراق وشواطيء بلاد العرب وأندونيسيا والملايا وغيرها.
ثم بدأ سيل التجار الهنود يتدفق إلى السودان خصوصا بعد ربط
سواحل البحر الأحمر بداخلية القطر وزاحموا الوطنيين في التجارة مزاحمة هائلة
فازدهرت سواكن بكثرة العمارات كما قال الدكتور جنكر الألماني : " إنها ستكون يوما
من الأيام عروس البحر الأحمر". فردم ممتاز باشا البحر ثم بنى رصيفا حول الجزيرة
ترسو فيه السفن الشراعية والبخارية الصغيرة وأمر اهل القيف بأن يبنوا على قدر
استطاعتهم ولو غرفة واحدة. أما الجزيرة فقد كان البناء فيها على الطراز الشرقي وألا
تقل عن ثلاثة أدوار كلها بالحجارة البحرية المرجانية. وبعضها بأحجار المنقبة
(المستخرجة من بر الشيخ أبو الفتح والفولة).
وكل موظف بسواكن بنى لنفسه دارا لأن أدوات البناء وتكاليفه
زهيدة جدا. وللدور الأرضي والمساجد تستعمل أحجار خاصة مربعة ومستطيلة نحو سبعين في
ستين سم وأحيانا تكون مساحتها أكبر وتستخرج من البحر (شرق الشيخ غريب) وتسمى (سيف)
وأجمل منازل سواكن هو المنزل الذي بناه محمد بك الشناوي للفقراء. كما وأن منزله
الخاص بني فيه صهريجا كبيرا لخزن مياه الأمطار عند اللزوم وهو نظيف جدا وبين آونة
وأخرى يكشف عليه مفتش الصحة. وبيت الجديد ذو الأربعة أدوار بناه لضبط (نحو مائة)
الجيش الإنجليزي. كما بنى السيد عثمان الليثي (شقيق السيد عبد الرحمن الليثي) منزلا
حسب رسم وزارة الحربية المصرية وكان مقر القيادة شرق السودان ورئاسة أركان حرب
الجيش المصري. وللشناوي بك منزل يطلق عليه دار الضيافة. وهو عبارة عن قصر شرقي عربي
جميل جدا بجوار منزله حيث ينزل فيه جميع التجار الأجانب الذين يحضرون من كافة
الأنحاء وهذا القصر ينزل فيه جميع التجار الأجانب الذين يحضرون من كافة الأنحاء.
وهذا القصر توفرت فيه وسائل الراحة للشرقيين والغربيين وجميع شبابيك هذا القصر
مرصعة بالزجاج الملون.
ومن المنازل المشهورة منزل السيد عمر الصافي والدروبي وباحيدر
والسيد الحضري ومنزل الشيخ علي عبيد وادريس بك محمد ومحمد بك أحمد. وفي القيف منازل
محمود بك أرتيقة والشيخ مصطفى جيلاني والشيخ باكاش محمد والشيخ محمد طاهر نور الدين
والوجيه أبو زينب محمد يوسف والشيخ محمد نور موسى واخوانه والمشايخ عثمان نصر وعبد
الكريم الكابلي وإبراهيم بك موسى والسيد ماجد و محمود البخاري ومن المنازل الجميلة
منزل الشيخ عبد الله مسلم و سعيد عبد الله باعشر و محمود بك علي و محمد ناصر باعفي
والشيخ محمد صالح بازرعة والشيخ دفع الله حسيب والسيد الخميسي وغيرهم من أعيان
سواكن . هذا بخلاف منازل أنشئت حديثا مثل منزل باحفظ الله وأحمد شمس وعبد الله شمس
و محمد سعيد صيام.
ازدهرت سواكن في مصر سمو الخديوي إسماعيل باشا وهو أول من فكر
في ربط السودان بشبكة من السكة الحديد فأرسل إلى سواكن إسماعيل بك الفلكي ناظر
المهندسخانة والرصدخانة.
وجملة المبلغ الذي تعهد سمو الخديوي إسماعيل باشا بدفعه للسلطان
العثماني نظير تنازله عن سواكن ومصوع وزيلع وبربرة هو سبعة آلاف كيس. أي سبعة
وثلاثين ألفا وخمسمائة جنيه مصري يدفعها سنويا لصندوق ولاية جدة لتعمير طريق مسجد
بيت الله الحرام والقيام بشئونه.
سيد سواكن 11/02/12





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق